يكشف تقرير جديد نشرته هيومن رايتس ووتش عن تصاعد المخاوف من استمرار دول الاتحاد الأوروبي في تصدير تقنيات مراقبة وتجسس متقدمة إلى حكومات متهمة بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، رغم القوانين الأوروبية التي أُقرت قبل سنوات للحد من هذه التجارة. ويرى التقرير أن الثغرات القانونية وضعف الرقابة سمحا بوصول برامج التجسس وأنظمة التنصت إلى أنظمة تستهدف الصحفيين والمعارضين والنشطاء السياسيين.


وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن الاتحاد الأوروبي أقر عام 2021 لائحة جديدة لتنظيم صادرات التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، أي الأدوات التي يمكن استخدامها مدنياً وعسكرياً، بهدف فرض رقابة أكبر على تصدير برمجيات التجسس وأنظمة الاعتراض الإلكتروني. لكن المنظمة الحقوقية تؤكد أن التطبيق العملي للقواعد الأوروبية بقي ضعيفاً، خصوصاً مع غياب آليات تُلزم الحكومات برفض الصفقات التي تحمل مخاطر حقوقية واضحة.


ثغرات قانونية تحمي صادرات التجسس


أدخل الاتحاد الأوروبي تعديلات على قوانين تصدير التكنولوجيا بعد فضائح عالمية مرتبطة باستخدام برامج تجسس ضد صحفيين ومعارضين. وشملت التعديلات توسيع تعريف تقنيات المراقبة وإلزام الحكومات بالنظر إلى سجل حقوق الإنسان في الدول المستوردة.


لكن تقرير هيومن رايتس ووتش يرى أن هذه الإصلاحات فقدت فعاليتها بسبب تعليمات تنفيذية صدرت لاحقاً وسمحت للدول الأعضاء بإخفاء تفاصيل حساسة عن الصفقات، مثل نوع التكنولوجيا والجهة المستفيدة منها. ونتيجة لذلك، باتت تقارير الشفافية الأوروبية عاجزة عن كشف الحجم الحقيقي لصادرات المراقبة الرقمية.


ويشير التقرير إلى أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تستضيف شركات متخصصة في تقنيات الاختراق والتجسس الإلكتروني، ما يجعل أوروبا أحد أبرز مراكز صناعة أدوات المراقبة في العالم. كما أظهر تقرير سابق لفريق تحليل التهديدات في شركة جوجل أن غالبية الشركات المرتبطة ببرمجيات التجسس تنشط داخل أوروبا.


صادرات إلى دول متهمة بالقمع


اعتمدت هيومن رايتس ووتش على طلبات حرية المعلومات التي أرسلتها إلى 27 دولة أوروبية، وكشفت من خلالها عن صفقات أثارت جدلاً واسعاً. وأكدت البيانات أن بلغاريا صدّرت أنظمة اختراق واعتراض اتصالات إلى أذربيجان بين عامي 2020 و2023، رغم اتهام باكو باستخدام تقنيات تجسس ضد ناشطين أرمن ومعارضين محليين.


كما وافقت بولندا عام 2023 على بيع أنظمة اعتراض اتصالات إلى رواندا، في وقت تواجه فيه الحكومة الرواندية اتهامات بملاحقة معارضين داخل البلاد وخارجها عبر أدوات رقمية متقدمة. ورغم ذلك، قالت السلطات البولندية إنها لم ترصد أي مخاطر حقوقية مرتبطة بالصفقة.


وفي السويد، اكتشفت المنظمة الحقوقية ثغرة أخرى تتعلق بشركة “MSAB” المتخصصة في أدوات استخراج البيانات من الهواتف المحمولة وكسر أنظمة التشفير. إذ سمحت القوانين الحالية بخروج بعض منتجات الشركة من نطاق الرقابة بحجة أنها غير مصممة خصيصاً لأعمال التجسس السري.


جدار من السرية والإنكار


واجهت هيومن رايتس ووتش صعوبة كبيرة في الحصول على المعلومات المتعلقة بتراخيص التصدير الأوروبية. فقد رفضت غالبية الدول تقديم الوثائق المطلوبة، مستندة إلى ذرائع مثل الأمن القومي والأسرار التجارية والعلاقات الدولية.


ويؤكد التقرير أن المفوضية الأوروبية نفسها زودت الحكومات بصياغات قانونية تساعدها على رفض طلبات الكشف عن المعلومات، ما قوض وعود الشفافية التي صاحبت الإصلاحات الأوروبية.


وترى المنظمة أن تقنيات المراقبة لا تهدد الخصوصية فقط، بل تسبق غالباً الاعتقالات التعسفية والتعذيب والملاحقات السياسية. لذلك، تطالب بفرض التزامات أكثر صرامة على الشركات الأوروبية لإجراء تقييمات حقيقية لمخاطر استخدام منتجاتها في القمع السياسي.


وفي ختام التقرير، دعت هيومن رايتس ووتش مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى استغلال مراجعة القوانين المقررة منتصف عام 2026 لفرض قواعد أكثر صرامة تشمل نشر تفاصيل الصفقات وأسماء الشركات والجهات المستفيدة، ومنع الحكومات من استخدام مبررات الأمن القومي لإخفاء صادرات قد تسهم في انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.

 

https://www.hrw.org/report/2026/05/12/looking-the-other-way/eu-failure-to-prevent-surveillance-exports-to-rights